لا شك أن شخصيتي حسن عز الرجال وسيد كناريا تتسمان بتشابه كبير يتجاوز حدود الابتكار الفني للسيناريست أسامة أنور عكاشة، فهذه الشخصيات تركت انطباعًا قويًا لدى الجمهور وكأنهما تعكسان نفس المسار الحياتي، فربط الكاتب القضايا النفسية التي تهم جيلًا تعرض للخذلان، وقد ساهم في تجسيد أبطاله لأفكار الهوية والمعنى والوجود، جاعلًا منهم تعبيرًا عن انتصاراتهم وانكساراتهم، وهذا ما جعل حكاياتهم تنبعث من أعماق الواقع الاجتماعي، فجميعهم يسعون للإجابة عن أسئلة مؤرقة، وهذا يظهر من خلال المآسي المترابطة التي ينطلقون منها.
في صيف عام 1989، أبدع عكاشة في تصوير نموذج الرجولة عبر شخصية حسن عز الرجال الذي جسده نور الشريف، حيث كانت هذه الشخصية تجسد القيم النبيلة في زمن مليء بالتحديات المعنوية، ونجح الفيلم في تقديم بطل يرفض الاستسلام، حتى بعد مروره بتجارب مريرة، فقد ظل يبحث عن الشرف والكرامة، بينما كانت دائرته الاجتماعية تساهم في تعزيز هذه المعاناة، مما جعله رمزًا لجيل مناصر للتغيير، وهذا التألق في شخصيته جعلها تحظى بكثير من الإعجاب والتشكيك.
ثم جاء صيف عام 2003 ليشهد عودة عكاشة إلى الساحة مع شخصية سيد كناريا التي قدمها فاروق الفيشاوي، حيث ألقى الضوء على جانب آخر من الخذلان من خلال مأساة غيابة، فقد تجلى التناقض بين مسار حسن الأمل وتجارب سيد المليئة بالخيبة والخيانة، حيث انتظر الآخر فرصة للنهوض مجددًا، محاولاً تجاوز جراح خيانته الشخصية والتي تعرض لها حينما تم خداعه، مما أضفى عمقًا كبيرًا على تطور عواطفه وصراعاته الداخلية.
على الرغم من الفروق العميقة بين الشخصيتين، إلا أن حسن عز الرجال يبقى إنسانًا مظلومًا يناضل لإثبات براءته، بينما سيد كناريا إنسان خدع بثقة لينجو بنفسه من تهديد السقوط مجددًا، مما يجعلهما رمزًا للصراع الإنساني ضد الظلم، فقد اكتشف سيد أن المؤامرة استهدفته بشكل أشمل تشمل ابنه الذي اعتقد أنه فقده، الأمر الذي يزيد من تعقيد تجربته النفسية ورغبته في استعادة كرامته، لذا يمكن القول بأن عكاشة يدعو المشاهدين للتفكر في معاني التضحية والخيانة.
تتلاقى مسارات الشخصيتين في بوتقة واحدة إذ يتحول سيد كناريا، في إطار بحثه عن العدالة للجدل حول الخيانة، إلى امتداد لحسن عز الرجال الذي يمثل الفارس المنهزم، كما استخدم عكاشة المسلسل ليعبّر أكثر عن معاناة شخصياته ويجعل كل حلقة تعكس تجربة حقيقية للكون، بينما كانت له رؤية خاصة تجعله يتفرد في كيفية سرد الأحداث واستعراض الخصائص الإنسانية، مما جعل المسلسل أكثر تفصيلًا وجاذبية.
عندما نتحدث عن العلاقات الأسرية، نجد تطابقًا مذهلًا بين الشخصيتين، حيث تتواجد الأخت كرمز للدعم والإخلاص، فقد وقفت بجانبهما رغم التحديات، وفيما كانت أخت حسن تحاول التقرب له، كانت شقيقة سيد تحاول احتوائه وتعيد إليه الأمل بعد الغدر الذي تعرض له، مما يجعلهما رمزين للتضحية والإخلاص في زمن القسوة والفراق.
في الجوانب الخاصة بالزوجات تمثل الخيانة من كلا الزوجتين محورًا حاسمًا في حياة الشخصيتين، فقد خانت الزوجة حسن بينما كان في سجنه وتمادت في مكائدها، وكررت نفس الخيانة سيد حين استغلت سجنه، ما يسلط الضوء على نوعية العلاقات الإنسانية المليئة بالغدر، وهذا ما زاد من أثر التراجيديا في حياة البطليتن.
الأمر الآخر الذي يميز التجربتين هو غياب الأبناء، حيث حفرت غياهب الفراق وحشة بداخل كلا منهما بسبب الخسارة، إذ يسعى حسن للعثور على ابنه بينما كبّلت سيد خيبة الأمل، ليبقى البحث عن الأبناء أحد المحاور الدائمة للتوتر في حياتهما، وهنا تبرز صعوبة الموقف وتعقيد الحياة التي تشكل عبئًا نفسيًا ثقيلاً.
لحظات ما بعد الخروج من السجن كانت مكررة إذ كانت تجمع كل واحد منهما بسيدة تسهم في مسار التغيير، مما أضفى لمسة خاصة على الحياة بعد المعاناة، ففي حين احتضنت سيدة حسن، كانت الأخرى تدعم سيد، مما يفتح نافذة جديدة للأمل في خضم التحديات الاجتماعية والمعنوية التي يتعرضان لها.
كل واحد من الشخصيتين يمتلك مجموعة من الداعمين الذين يؤمنون بقدراهم، مما يعكس عمق العلاقات الإنسانية، فحسن يملك أصدقاء أوفياء في محنته، بينما يتواجد إلى جانب سيد أفراد أسرة يتقاسم معهم الآلام والأصطفاف في مواجهة الظروف، مما يبزر أهمية الصداقات في أوقات الأزمات.
تتوالى الأغانى المحورية في أحداث العملين لتكمل التأثير العاطفي، حيث شكلت الموسيقى جزءًا من تجربة المشاهدة، فالأغاني المعبرة التي كتبها سيد حجاب سلطت الضوء على معاناة الاثنين ورفعتها إلى مستوى آخر من التعبير، مما ساهم في إبراز المعاني الأعمق في حياتهم.
لا يمكن إنكار أن تجربة عكاشة في صياغة النصوص تحمل بصمة فريدة، حيث يظهر فكرته في البحث عن الهوية الذاتية وكيفية مواجهة الصعوبات، عبر شخصياته، وهو ما يميز أعماله ويجعلها قادرة على لفت أنظار المشاهدين لنقاشات عميقة حول الذات والانتماء، مما يجعلها رحلة عبر الزمان والمكان.
على الرغم من التعبيرات والمؤثرات العميقة في الشخصيتين، تظل الفروق الدرامية ضرورية في إطار التقديم، فعلى الرغم من تشابه الأبعاد السيكولوجية، إلا أن الاختلافات إخراجية، فمن الواضح أن رؤية عكاشة متأصلة في أعماله، مجسداً في تجربته الفنية الشيقة.
تعليقات